المحقق البحراني

278

الكشكول

الكلام على حديث الطينة في كتاب الأنوار النعمانية : قال بعد أن نقل جملة من أحاديث الطينة : ومن جملتها خبر إسحاق الليثي المشتمل على ذكر طينة المؤمن والناصب ما صورته : الثاني في الكشف عن معناها فنقول : قد سلك أصحابنا رضوان اللّه عليهم فيها مسالك مختلفة ( أولها ) ما صار إليه سيدنا الأجل علم الهدى من أنها أخبار آحاد مخالفة للكتاب والإجماع فوجب ردها ، فلذلك طرحها كما هو مذهبه في أخبار الآحاد أينما وردت ، وذلك لأن الكتاب والإجماع قد دل على أن صدور الحسنة والسيئة إنما هو باختيار العبد وليس فيه مدخل للطينة . والجواب أن أصحابنا قد رووا هذه الأخبار بالأسانيد المتكثرة في الأصول وغيرها فلم يبق مجال في إنكارها والحكم عليها بأنها أخبار آحاد ، بل صارت أخبار مستفيضة بل متواترة ، وأما مخالفتها للكتاب والسنة والإجماع فيأتي الجواب عنه ( وثانيها ) ما ذهب إليه ابن إدريس من أنها أخبار متشابهة يجب الوقوف عندها وتسليم أمرها إليهم عليهم السّلام فإن كلامهم كالقرآن يتنوع إلى محكم ومتشابه ونحو ذلك ، وهذا أقرب من الأول وأسلم عاقبة لكن يرد عليه أن هذه الأخبار قد ألقاها الأئمة عليهم السّلام إلى الشيعة للتفهم والتعليم وأن يعتقدوا معانيها كما ألقيت إليهم ، ولعلهم قد فهموا معانيها بقرائن الحال والمقال . ( وثالثها ) ما صار إليه بعض المحدثين من حملها على المجاز والكناية كما يقال في العرب لمن أسدى خيرا إلى عباد اللّه وحسن خلقه : « هذا رجل قد عجنت طينته بفعل الخير وحب الكرم والتقوى » وهذا في غاية البعد ، بل حمل هذه الأخبار خصوصا الخبر الأول على مثل هذا غير محتمل بوجه من الوجوه وإن احتمله بعض أخبار هذا الباب . ( ورابعها ) هو المشهور في تأويل هذه الأخبار وما ضاهاها مما ظاهره الجبر ونفي الاختيار الوارد في كل الأخبار من أنه منزل على العلم الإلهي ، فإنه سبحانه قد علم الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها ، وقد علم في الأزل أحوال الخلق في الأبد وما يأتونه وما يذرونه باختيار منهم ، فلما علم منهم هذه الأحوال وانها تقع باختيارهم عاملهم هذه المعاملة كالخلق من الطينة الخبيثة المنتنة والأحوال الصادقة . وروى الصدوق طاب ثراه بإسناده إلى ابن أبي عمير قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه » فقال : الشقي من علم اللّه عزّ وجلّ وهو في بطن أمه انه سيعمل أعمال الأشقياء والسعيد من علم اللّه عزّ وجلّ وهو في بطن أمه انه سيعمل أعمال السعداء . قلت : فما معنى قوله عليه السّلام : اعملوا وكل ميسر لما خلق له ؟ فقال : إن